محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

244

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الوقت كي تبقى لك حصة الاختيار . أنعم اللّه عليك فيما أمرك به من الطاعات المؤقتة بالأوقات بنعمتين عظيمتين ؛ إحداهما : تقييدها لك بأعيان الأوقات لتوقعها فيها ، فتفوز بثوابها ولو لم يفعل هذا لسوّفت بها ولم تعمل بها حتى تفوت فيفوتك ثوابها . والنعمة الثانية : توسيع أوقاتها عليك ليبقى لك نصيب من الاختيار حتى تأتي بالطاعات في حال سكون وتمهّل من غير حرج ولا ضيق . وللّه الحمد على نعمه . علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته فساقهم إليها بسلاسل الإيجاب ، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل . لما علم اللّه تعالى قلّة نهوض العباد إلى معاملته الواجبة له عليهم ، من : إقامة العبودية لمشاهدة الربوبية في حال طواعية منهم ، إذ في ذلك قرّة أعينهم ، وغاية نعيمهم أوجب عليهم وجود طاعته على حال كراهية منهم لأجل ما خوّفهم به إن لم يفعلوا ، فساقهم بسلاسل تخويفه وتحذيره إليه ، واستدرجهم بذلك إلى ما فيه نعيمهم مما لا علم لهم به ، وفعل بهم ما يفعل بالصبي ألا تراه كيف يؤدّب ويضرب على استرساله على مقتضى طبعه وجبلته ، ويلزم أمورا شاقة عليه فيفعلها وهو كاره لذلك . والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل بها ، فإذا كبر وعقل عرف ذلك عيانا . وقد عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ، كما فعل بأسارى الكفار حين يراد منهم الدخول في الإسلام فيقادون إلى الجنة بالسلاسل في رقابهم . وهذا حديث يروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هكذا : « عجب اللّه من أقوام يقادون إلى الجنة بالسلاسل » « 1 » . قلت : وتعبير المؤلف ، رحمه اللّه ، بالسلاسل ، والسوق بها ، واستعماله ذلك في التكاليف الواجبة التي ألزم العباد القيام بها من بديع الاستعارات ، كما قال الشاعر ، وهو أبو خراش الهذلي « 2 » : وليس كعهد الدار يا أم مالك * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وكذلك تمثيله بالحديث المذكور فيه ذلك والإشارة به إلى مقصوده في غاية الحسن .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ، 144 ) ، وأبو داود ( جهاد ، 114 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 302 ، 406 ، 448 ، 457 ، 5 ، 249 ) . ( 2 ) أبو خراش الهذلي ( توفي نحو 15 ه - نحو 636 م ) خويلد بن مرة ، من بني هذيل من مضر شاعر مخضرم وفارس فاتك . أدرك الجاهلية والإسلام ، واشتهر بالعدو فكان يسبق الخيل أسلم وهو شيخ كبير ، وعاش إلى زمن عمر وله معه أخبار نهشته أفعى فقتلته . ( الأعلام 2 / 325 ، والشعر والشعراء ص 255 ) .